محمد جمال الدين القاسمي

446

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً . . إلخ تفصيل لذلك النبات . أي : أخرجنا منه خضرا بسبب الماء ، فيكون بدلا من ( فأخرجنا ) الأول ، بدل اشتمال . ومن هاهنا يقع التفصيل ، فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة ، وبعض يخرج منه ذات قنوان دانية ، وبعض آخر جنات معروشات . . إلخ . وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ العطف فيه كما تقدم مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ حال من ( الزيتون ) ، اكتفى به عن حال ما بعده . أو من ( الرمان ) لقربه . والمحذوف حال الأول . قال الزمخشري : يقال اشتبه الشيئان وتشابها ، كقولك : استويا وتساويا . والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا . وقرئ : متشابها وغير متشابه . والمعنى : بعضه متشابها ، وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم ، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها ، وحكمة منشئها ومبدعها . انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ أي : ثمر كل واحد من ذلك إذا أخرج ثمره ، كيف يكون ضئيلا ضعيفا ، لا يكاد ينتفع به ، وَيَنْعِهِ أي : وإلى حال ينعه ونضجه ، كيف يعود شيئا جامعا لمنافع وملاذ . أي : انظروا إلى ذلك نظر اعتبار واستبصار واستدلال ، على قدرة مقدره ومدبره وناقله ، على وفق الرحمة والحكمة ، من حال إلى حال ، فإن فيه آيات عظيمة دالة على ذلك ، كما قال : إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي : يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار هو المستحق للعبادة دون ما سواه ، أو هو القادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم . قال بعضهم : القوم كانوا ينكرون البعث ، فاحتج عليهم بتصريف ما خلق ، ونقله من حال إلى حال ، وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها ، وإخراج أنواع النبات والثمار منها ، وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا اللّه تعالى . فبيّن أنه تعالى كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم ، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء ، ثم إنبات الأجساد كالنبات ، ثم جعلها خضرة بالحياة ، ثم تصوير الأعمال بصور كثيرة ، وإفادة أمور زائدة ، وتفريعها ، وإعطاء أطعمة مشتبهة في الصورة ، غير متشابهة في اللذة ، جزاء عليها ، واللّه أعلم - . لطيفة : قال الرازيّ : اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أربعة أنواع من الأشجار : النخل والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر ، لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة . وإنما قدم النخل على سائر الفواكه ، لأن التمر