محمد جمال الدين القاسمي

443

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الذكر ب ( المستقر ) لأن النطفة إنما تتولد في صلبه ، وإنما تستقر هناك . وعبر عن الأنثى ب ( المستودع ) لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة - واللّه أعلم - . وعلى قراءة ( مستقر ) بكسر القاف اسم فاعل ، أي : فمنكم قارّ ، ومنكم مستودع ، ووجه كون الأول معلوما . والثاني مجهولا ، كون الاستقرار صادرا منّا دون الاستيداع . قال الرازيّ : مقصود الآية أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام ، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول : الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية ، ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع . والاختلاف في تلك الصفات لا بدّ له من سبب ومؤثر ، وليس السبب هو الجسمية ولوازمها ، وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات ، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم . ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى : وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [ الروم : 22 ] . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ قال الزمخشري : فإن قلت ، لم قيل ( يعلمون ) مع ذكر النجوم ، و ( يفقهون ) مع ذكر إنشاء بني آدم ؟ قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة ، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا . فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر ، مطابقا له . انتهى - وهذا بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة ، ومن قال : إنه الفهم مطلقا ، وليس بأبلغ من العلم - قال : إنه تفنن ، حذرا من صورة التكرير . قال الناصر في ( الانتصاف ) : جواب الزمخشريّ صناعيّ ، وإلا فلا يتحقق هذا التفاوت ، ولا سبيل إلى الحقيقة . قال : والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة ، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ ، لما في ذلك من التكرار ، فعدل إلى فاصلة مخالفة ، تحسينا للنظم ، واتساقا في البلاغة ، ويحتمل وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم ، والثانية بالفقه ، وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات اللّه ، ولا يعتبر بمخلوقاته ، وكانت الآيات المذكورة أولا خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها ، إذ النجوم والنظر فيها ، وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها ، أمر خارج عن نفس الناظر ، ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة ، وتقلباتهم في أطوار مختلفة ، وأحوال متغايرة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ، ولا يتجاوزها . فإذا تمهد ذلك . فجهل الإنسان