محمد جمال الدين القاسمي
437
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ورابعها - أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة ، فالأترنج : قشره حارّ يابس ، ولحمه بارد رطب ، وحماضه بارد يابس ، وبزره حار يابس . وكذلك العنب : قشره وعجمه بارد يابس ، وماؤه ولحمه حار رطب . فتولد هذه الطبائع المتضادة ، والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة - لا بد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار . وخامسها - أنك تجد الفواكه مختلفة ، فبعضها يكون اللب في الداخل ، والقشر في الخارج ، كما في الجوز واللوز . وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج ، وتكون الخشبة في الداخل ، كالخوخ والمشمش . وبعضها يكون النواة لها لبّ ، كما في نوى المشمش والخوخ . وبعضها لا لب له ، كما في نوى التمر . وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر ، بل يكون كله مطلوبا ، كالتين . فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه . وأيضا هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور ، فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة ، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما ، وشكل العدس كأنه دائرة ، وشكل الحمص على وجه آخر . فهذه الأشكال المختلفة لا بد وأن تكون لأسرار وحكم ، علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل . وأيضا فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى . ومنفعة أخرى . وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان ، وسمّا لحيوان آخر ، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال ، مع اتحاد الطبائع ، وتأثيرات الكواكب ، يدل على أن كلها إما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم . وسادسها - أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة ، وجدت خطّا واحدا مستقيما في وسطها ، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان . وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة ، يمنه ويسرة ، في بدن الإنسان ، ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار ، بسبب الصغر - فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة ، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى ، ولا يزال يبقى على هذا المنهج ، حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر . والخالق تعالى إنما فعل ذلك ، حتى إن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة ، تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة . فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة ، علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل ، ثم إذا