محمد جمال الدين القاسمي
428
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال البغويّ : وفي القصة أن مالك بن الصيف ، لما سمعت اليهود منه تلك المقالة ، عتبوا عليه ، وقالوا : أليس اللّه أنزل التوراة على موسى ، فلم قلت : ما أنزل اللّه من شيء ؟ فقال مالك بن الصيف : أغضبني محمد ، فقلت ذلك ! فقالوا له : وأنت إذا غضبت تقول على اللّه غير الحق ! فنزعوه عن الحبرية . وبعد الوقوف على ذلك ، فلا معنى لاعتراض بعضهم بأن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا متظاهرا بذلك ، ومع هذا المذهب لا يمكنه البتة أن يقول : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ، لأنه تبين أنه قال ذلك متغيظا ، وقد أخذ الغضب منه مأخذه عنادا ومكابرة ، توصلا لدفع ما يريده . وقد يبلغ الحمق بصاحبه إلى حدّ يتبرأ فيه من مذهبه ومعتقده ، إغاظة لخصمه على زعمه . وبوادر اللسان في حق المولى تعالى وتقدس ، مما لا تغتفر ، ولذا بين تعالى جهل ذاك القائل بقوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . قال العلّامة البقاعيّ : لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يبث أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه ، وما يسخطه ليجتنبوه ، فقد نسبه إلى نقص عظيم . فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا ؟ وإنما أسند إلى الكل - والقائل بعضهم - لأنهم لم يردّوا على قائله ، ولم يعاجلوه بالأخذ على يده ، تهويلا للأمر ، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات اللّه أن يسعى إليها ، ويتعرف أمورها ، فمن طعن فيها أخذ على يده بما تصل إليه قدرته ، فقال مشيرا إلى اليهود قائلوا ذلك . ملزما لهم بالاعتراف بالكذب ، أو المساواة للأمّيين في التمسك بالهوى دون كتاب ، موبخا لهم ، ناعيا عليهم سوء جهلهم ، وعظيم بهتهم ، وشدة وقاحتهم ، وعدم حيائهم قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ؟ أي : قل لهؤلاء السفهاء الذين تجرأوا على هذه المقالة ، غير ناظرين في عاقبتها ، وما يلزم منها ، توبيخا لهم ، وتوقيفا على شنيع جهلهم مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ أي : أوراقا مفرقة ، لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم ، تُبْدُونَها للنّاس أي : تظهرونها للناس ، وَتُخْفُونَ كَثِيراً أي : منها مما تريدون به تبديل الدين . هذا على قراءة الفوقانية . وعلى قراءة التحتانية التفات مؤذن بشدة الغضب ، مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره ، فكيف بفعله . وقوله وَعُلِّمْتُمْ أي : أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أي : أيها اليهود من أهل هذا الزمان وَلا آباؤُكُمْ أي : الأقدمون . انتهى كلام البقاعيّ رحمه اللّه تعالى . وفي قوله : ( وإنما أسند إلى الكل . . ) إلى آخره ، نظر . لأن إسناده ليس إليهم ، لأنهم رضوا به ، لأن القصة السالفة تدل على خلافه .