محمد جمال الدين القاسمي
414
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يلزم من قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ أن غير الشرك لا يكون ظلما ، يجاب : بأن التنوين في ( بظلم ) للتعظيم ، فكأنه قيل : لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم . ولما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد : لم يلبسوا إيمانهم بشرك ، أو أن المتبادر من المطلق أكمل أفراده - كذا في العناية - . قال الرازيّ : والدليل على أن هذا هو المراد ، أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك . تنبيه : حيث علم أن الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم فسر الآية بما تقدم فليعضّ عليه بالنواجذ وأما ما هذى به الزمخشري من قوله في تفسير الآية : أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم ، وأبى تفسير الظلم بالكفر ، لفظ ( اللبس ) أي : لأن لبس الإيمان بالشرك أي : خلطه به ، مما لا يتصور ، لأنهما ضدان لا يجتمعان - على زعمه - فمدفوع بأنه يلابسه . لأنه إن أريد بالإيمان مطلق التصديق ، سواء كان اللسان أو غيره ، فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق . وكذا إن أريد تصديق القلب ، لجواز أن يصدّق بوجود الصانع ، دون وحدانيته ، لما في قوله تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] . وهو ما أشير إليه قبل . ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر ، فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما ، بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك ، بل تغطيته بالكفر ، وجعله مغلوبا مضمحلا ، أو اتصافه بالإيمان ، ثم الكفر ، ثم الإيمان ثم الكفر مرارا ، وبعد تسليم ما ذكر ، فاختصاص الأمن بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة ، بل خائفين ذلك ، متوقعين للاحتمال ، ورجحان جانب الوقوع - كذا في ( شرح الكشاف ) . وفي ( الانتصاف ) : إنما يروم الزمخشري بذلك تنزيله على معتقده ، في وجوب وعيد العصاة ، وأنهم لاحظ لهم في الأمن كالكفار . ويجعل هذه الآية تقتضي تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين : الإيمان والبراءة من المعاصي . ونحن نسلم ذلك ، ولا يلزم أن يكون الخوف اللاحق للعصاة ، هو الخوف اللاحق للكفار ، لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت ، وهم آمنون من الخلود . وأما الكفار فغير آمنين بوجه ما . انتهى .