محمد جمال الدين القاسمي
405
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقيل : الإخبار على سبيل الاستهزاء . . . إلى أقوال أخر . والقصد في ذلك تنزيه مقامه عليه الصلاة والسلام عن الشك والحيرة ، واعتقاد ربوبية ذلك ، لمنافاته للعصمة . وأقول : هذا مسلّم بلا ريب ، ولكنّ الأوجه من جميع ذلك كله ما أسلفناه أوّلا من أن قوله : هذا رَبِّي من باب استعمال النصفة مع الخصوم ، على سبيل الوضع ، وهو سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها ، لكونها مسلمة عند غيره ، لأجل إلزامه بها . وهو مصطلح أهل الجدل . وقد اقتصر الزمخشريّ على هذا الوجه الفريد . قال الناصر في ( الانتصاف ) : وذلك متعين . وقد ورد في الحديث الوارد في الشفاعة « 1 » أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فيلتمسون منه الشفاعة ، فيقول : نفسي ! نفسي ! ويذكر كذباته الثلاث ، ويقول : لست لها ، يريد قوله لسارة هي أختي ، وإنما عنى : في الإسلام ، وقوله : إنه سقيم ، وإنما عنى همّه بقومه وبشركهم والمؤمن يسقمه ذلك - وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، وقد ذكرت فيه وجوه من التعريض . فإذا عدّ صلوات اللّه عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات ، مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها ، دلّ ذلك على أنها أعظم ما صدر منه . فلو كان الأمر على ما يقال ، من أن هذا الكلام محكيّ عنه على أنه نظره لنفسه ، لكان أولى أن يعدّه ، وأعظم ، مما ذكرناه . لأنه حينئذ يكون شكا ، بل جزما . على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك ، انتهى . وقال الحافظ ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا المقام ، هل هو مقام نظر أو مناظرة ؟ فروى ابن جرير « 2 » من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر . واختاره ابن جرير مستدلا عليه بقوله : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي الآية . وقال محمد بن إسحاق قال ذلك حين خرج من السّرب الذي ولدته فيه أمه ، حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان ، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه ، فأمر بقتل الغلمان عامئذ . فلما حملت أم إبراهيم به ، وحان وضعها ، ذهبت إلى سرب ، ظاهر البلدة ، فولدت فيه إبراهيم ، وتركته هناك . وذكر أشياء من خوارق العادات ، كما ذكرها غيره من المفسرين .
--> ( 1 ) حديث الشفاعة هذا أخرجه البخاري في مواضع : ومنها في : التوحيد ، 24 - باب قول الله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، حديث 40 ، عن أنس وفيه ذكره ، عليه السلام ، كذباته الثلاث . ( 2 ) الأثر رقم 13462 من التفسير .