محمد جمال الدين القاسمي

402

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الشمس من سمت الرأس ، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات اللّه تعالى أكثر ، كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . إلا أن الفرق بين شمس العلم ، وشمس العالم ، أن شمس العالم الجسمانيّ لها في الارتقاء والتصاعد حدّ معين ، لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود . وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية لتصاعدها ، ولا غاية لازديادها . فقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات . وقوله وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ إشارة إلى درجات أنوار التجلي ، وشروق شمس المعرفة والتوحيد . انتهى . الثالثة - ذكر تعالى الإراءة في هذه الآية مجملة ، ثم فصلها بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 76 ] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي قال المهايميّ : لما رأى - يعني إبراهيم عليه الصلاة والسلام - الملكوت ، وأيقن أن شيئا منها لا يصلح للإلهية ، أراد الرد على قومه في اعتقاد إلهيتها لخستها ، باعتبار افتقارها في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الأفول ، وإن كانت علوية ، وكذا في اعتقاد إلهية تلك الأجسام . كما رد عليهم في اعتقاد إلهية الأصنام ، فلتظهر ظهور الكواكب التي كانوا يعبدونها . انتهى . وبالجملة ، فالآية بيان لكيفية استدلاله عليه الصلاة والسلام ، ووصوله إلى رتبة الإيقان . ومعنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ستره بظلامه . و ( الكوكب ) قيل : الزهرة ، وقيل : المشتري . أقول : ( الكوكب ) لغة : النجم . قال الزبيديّ في ( شرح القاموس ) : وكونه علما بالغلبة على الزهرة غير معتدّ به ، وإنما هي الكوكبة بالهاء . انتهى . قال الزمخشريّ : كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها ، لقيام دليل الحدوث فيها وأن وراءها محدثا أحدثها ، وصانعا صنعها ، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها . وقول إبراهيم لقومه : هذا رَبِّي إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولا ، ثم إبطال قولهم بالاستدلال ، لأنه أقرب لرجوع الخصم .