محمد جمال الدين القاسمي

394

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أضيف إلى الشيطان ؟ أجيب : بأن السبب من الشيطان ، وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر ، فأضيف إليك لذلك . كما أن من ألقى غيره في النار فمات ، يقال ، إنه القاتل ، وإن كان الإحراق فعل اللّه ، واختلف في النسيان ما هو ؟ فقال الحاكم : هو معنى يحدثه اللّه في القلب . وقال أبو هاشم وأصحابه : ليس بمعنى ، وإنما هو زوال العلم الضروريّ الذي جرت العادة بحصوله . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 69 ] وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي : وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء عما يحاسبون عليه من خوضهم ، وَلكِنْ ذِكْرى أي : ولكن أمروا بالإعراض عنهم ، ليكون ذكرى لضعفاء المسلمين ، لئلا يقع شيء من مطاعن المستهزئين في قلوبهم . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : يبلغ مبلغ التوقي من شبهاتهم ، بالجلوس مع علمائه بدلهم . تنبيهان : الأول - ما ذكرناه في معنى الآية ، هو ما قرره المهايميّ رحمه اللّه تعالى . وقيل : المعنى : ولكن على المتقين أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون ، بالقيام عنهم ، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم ، لعلهم يتقون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم ، فلا يعودون إليه ، وجوزوا أن يكون الضمير الَّذِينَ يَتَّقُونَ ، أي : يذكرونهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم ، أو يزدادوها . انتهى . وما ذكرناه أسدّ وأوجه . وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ، قال في الآية : أي ما عليك أن يخوضوا في آيات اللّه إذا فعلت ذلك . أي : إذا تجنبتهم ، وأعرضت عنهم . وعليه فالموصول كناية عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . التفت به تعظيما وتكريما . الثاني - قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : قد يستدل بقوله تعالى : وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ . . إلخ على أن من جالس أهل المنكر ، وهو غير راض بفعلهم ، فلا إثم عليه . لكن آية النساء تدل على أنه آثم ، ما لم يفارقهم ، لأنه قال : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [ النساء : 140 ] . أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم ، وهي متأخرة . فيحتمل أن تكون ناسخة لهذه ، كما ذهب إليه قوم منهم السدّيّ .