محمد جمال الدين القاسمي

389

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الضراعة ، وهي شدة الفقر والحاجة إلى اللّه تعالى . ومنه قوله تعالى : تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي : مظهرين الضراعة ، وحقيقة الخشوع . انتهى . الثالث - المراد بالكرب ما يعم ما تقدم ، ولا محذور في التعميم بعد التخصيص ، لكثرة وروده . أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا تتناهى ، كالأمراض والأسقام ، وما قيل : إن المراد بالأول كرب مخصوص ، أو الأولى نعمة رفع ، وهذه نعمة دفع ، وأنه من قبيل ( متقلدا سيفا ورمحا ) - تكلف لا داعي له - كذا في ( العناية ) - الرابع - وضع ( تشركون ) ، موضع ( لا تشركون ) الذي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله : لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لأن إشراكهم تضمن عدم صحة عبادتهم ، وشكرهم لأنه عبادة ، بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه . إذ التوحيد ملاك الأمر ، وأساس العبادة ، فوضعه موضعه توبيخا لهم ، لعدم الوفاء بالعهد . ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم ، تنبيها على استبعاد الشرك في نفسه - كذا في ( العناية ) - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 65 ] قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قال المهايمي : أي : قل للمشركين بعد النجاة الموعود فيها بالشكر : إنما أشركتم لأمنكم من الشدائد ، لكن لا وجه للأمان منها ، لاستمرار منشأ الخوف ، وهو القدرة الإلهية على أنواع الشدائد من الجهات كلها . إذ هو القادر على إرسال عذاب أعظم من تلك الشدة من فوقكم ، كإمطار النار أو الحجارة ، أو إسقاط السماء . أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كالخسف والطوفان ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً أي : يخلطكم فرقا خلط اضطراب ، فيجعلكم متحزبين مختلفين في القتال ، بأن يقوّي أعداءكم وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ أي : شدة بَعْضٍ يعني : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والتعذيب . انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي : نحوّلها من نوع إلى آخر . لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ أي : يفهمون ويعتبرون ، فيكفوا عن كفرهم وعنادهم .