محمد جمال الدين القاسمي

376

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ويبشرهم بسعة رحمة اللّه تعالى وفضله ، بعد النهي عن طردهم ، إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل ، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد ، ويعز ولا يذل ، ويبشّر من اللّه بالسلامة في الدنيا ، والرحمة في الآخرة . انتهى . وسلف عن ابن جرير أنها نزلت في عمر رضي اللّه عنه . وأخرج الفريابيّ وابن أبي حاتم عن ماهان ، قال : جاء ناس إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما ، فما ردّ عليهم شيئا ، فأنزل اللّه : وَإِذا جاءَكَ . . الآية . ولا يخفى أن الآية تشمل جميع ذلك ، وربما تتعدد الوقائع المشتركة في حكم واحد ، فتنزل الآية بيانا للكل . وتقدم لنا في مقدمة هذا التفسير ، في بحث سبب النزول ، أن قول السلف : نزلت في كذا ، قد يقصدون به أن واقعته مما يشملها لفظ الآية ، لنزولها إثرها ، فتذكره ، وأجل فكرك في أطرافه ، فإنه مهم جدّا . وبمعرفته يندفع إشكال الرازيّ الذي قرره هنا . وقوله تعالى : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي : أوجبها على ذاته المقدسة ، تفضلا منه وإحسانا وامتنانا . وقوله : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ إلخ بدل من الرَّحْمَةَ . وقرئ بكسر الهمزة على أنه تفسير للرحمة بطريق الاستئناف . وقوله : بِجَهالَةٍ في موضع الحال ، أي : عمله وهو جاهل ، وفيه معنيان : أحدهما - أنه فاعل فعل الجهلة ، لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة ، وهو عالم بذلك ، أو ظانّ ، فهو من أهل السفه والجهل ، لا من أهل الحكمة والتدبير ، ومنه قول الشاعر : على أنها قالت عشية زرتها * جهلت على عمد ولم تك جاهلا والثاني - أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة ، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته - كذا في الكشاف - . فعلى الأول ، الجهل : بمعنى السفه والمخاطرة من من غير نظر للعواقب ، كما في قوله : فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكانت العرب تتمدح به ، فلا حاجة لتقدير مفعول . وعلى الثاني ، المراد : الجهالة بمضارّ ما يفعله . وقوله تعالى : وَأَصْلَحَ أي : العمل . كقوله : وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ الفرقان : 70 ] .