محمد جمال الدين القاسمي
371
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
هذه النعمة ، فيشكرونها حق شكرها . وأما أولئك ، فلا يعرفون قدرها ، فلا يشكرونها ، بقوله سبحانه أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ؟ فهو ردّ لقولهم ذلك ، وإبطال له ، وإشارة إلى أن مدار استحقاق الإنعام ، معرفة شأن النعمة ، والاعتراف بحق المنعم . كما أن فيه من الإشارة إلى أن أولئك المستضعفين عارفون بحق نعم اللّه تعالى في تنزيل القرآن ، والتوفيق للإيمان ، شاكرون له تعالى على ذلك ، مع التعريض بأن القائلين بمعزل عن ذلك كله - ما لا يخفى . قال الحافظ ابن كثير : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس ، من الرجال والنساء ، والعبيد والإماء ، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل ، كما قال قوم نوح لنوح وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . [ هود : 27 ] الآية - وكما سأل هرقل « 1 » ملك الروم أبا سفيان - حين سأله عن تلك المسائل - : ( فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم . فقال : هم أتباع الرسل ) وكان مشركو مكة يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ، ويعذبون من يقدرون عليه منهم ، وكانوا يقولون : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا كقوله : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [ الأحقاف : 11 ] . وكقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [ مريم : 73 ] ؟ قال اللّه تعالى في جواب ذلك : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً [ مريم : 74 ] . وقال في جوابهم هنا : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، أي : له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويهديهم إلى صراط مستقيم . كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] . و في الحديث الصحيح « 2 » : إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ، ولا إلى ألوانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : بدء الوحي ، 6 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، حديث 7 ، عن أبي سفيان لما أرسل إليه هرقل في ركب من قريش ، وكانوا تجارا بالشام ، في المدة التي كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مادّتها فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه . . . وهو حديث طويل يوجّه فيه هرقل إلى أبي سفيان عما يعلمه أبو سفيان عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . لا يفت مسلما الاطلاع على هذا الحديث فإن فيه خيرا كثيرا . ( 2 ) أخرجه مسلم في : البر والصلة والآداب ، حديث 33 ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم » وأشار بأصابعه إلى صدره . وأخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 285 حديث رقم 7814 .