محمد جمال الدين القاسمي
370
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يَسْتَقْدِمُونَ * [ الأعراف : 34 ] . وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة جملة واحدة ، لتأدية معنى واحد ، على نهج قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل . انتهى . والقول المذكور للزمخشري ، حيث ذهب إلى أن الجملتين في معنى جملة واحدة ، تؤدي مؤدّى وَلا تَزِرُ * الآية ، وأنه لا بد منهما . هذا ، وقيل : الضمير للمشركين ، والمعنى : لا يؤاخذون بحسابك ، ولا أنت بحسابهم ، حتى يهمك إيمانهم ، ويجرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين . وأغرب المهايميّ حيث قال : والعماة ، لكونهم أرباب شرف ومال ، يكرهون مجالستهم ، لقلة شرفهم ومالهم ، فقال عز وجل لأشرف الناس : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي : ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء ، فإذا لم يلحقك نقصهم ، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك ، فلا وجه لطردهم . انتهى . وفيه بعد ، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة . ولا يخفى مراعاة النظائر . وفي ( العناية ) : قدم خطابه صلى اللّه عليه وسلم في الموضعين ، تشريفا له . وإلا كان الظاهر ( وما عليهم من حسابك من شيء ) بتقديم ( على ) ومجرورها ، كما في الأول . وفي النظم رد العجز على الصدر ، كما في قوله : عادات السادات ، سادات والعادات . وقوله تعالى : فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ الظلم : وضع الشيء في غير محله ، أي : فلا تهمّ بطردهم عنك ، فتضع الشيء في غير موضعه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ هم الشرفاء بِبَعْضٍ وهم المستضعفون ، بما مننا عليهم بالإيمان . وقوله : لِيَقُولُوا أي : الشرفاء أَ هؤُلاءِ أي المستضعفون ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي : بشرف الإيمان ، مع أن الشرفاء على زعمهم ، أولى بكل شرف ، فلو كان شرفا لانعكس الأمر ، فهو إنكار لأن يخصّ هؤلاء من بينهم بإصابة الحق ، والسبق إلى الخير ، كقولهم : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [ الأحقاف : 11 ] . ثم أشار تعالى إلى أنه إنما منّ عليهم بنعمة الإيمان ، لأنه علم أنهم يعرفون قدر