محمد جمال الدين القاسمي
369
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فما أورده الرازيّ من كونه صلى اللّه عليه وسلم طردهم ، ثم أخذ يتكلف في الجواب عنه ، لمنافاته العصمة على زعمه ، فبناء على واه . والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته ، وإلا فالباطل يكفي في رده ، كونه باطلا . وقد أوضحت ذلك في كتابي ( قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ) . والمعنى : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك . كقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] . وقوله تعالى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي يعبدونه ويسألونه ، بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قال سعيد بن المسيّب وغيره : المراد به الصلاة المكتوبة . وقوله تعالى : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ المراد بالوجه الذات ، كما في قوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ومعنى إرادة الذات الإخلاص لها ، والجملة حال من يَدْعُونَ أي : يدعون ربهم مخلصين له فيه ، وتقييده به لتأكيد علّيته للنهي ، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام ، المضاد للطرد . وقوله تعالى : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، كقول نوح عليه السلام في الذين قالوا : أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [ الشعراء : 111 - 113 ] أي : إنما حسابهم على اللّه عز وجل ، وليس عليّ من حسابهم من شيء ، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء . قال العلامة أبو السعود : الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه ، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوّغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم ، كدأب قوم نوح حيث قالوا . ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ أي : ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة ، حتى تتصدى له ، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام ، وإنما وظيفتك ، حسبما هو شأن منصب النبوة ، اعتبار ظواهر الأعمال ، وإجراء الأحكام على موجبها . وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور ، كقوله تعالى : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي وذكر قوله تعالى : وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ مع أن الجواب قد تم بما قبله ، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلى اللّه عليه وسلم ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا ، وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام ، عليهم ، على طريقة قوله تعالى : لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا