محمد جمال الدين القاسمي
366
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع ، فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل ، وإن كان المراد نفي قدرته على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة . لم يدل على كونهم أفضل . وقرر الزمخشري الأول تأييدا لمذهبه فقال في تفسير الآية : أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن اللّه ، وهي قسمه بين الخلق وأرزاقه ، وعلم الغيب ، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه اللّه تعالى ، وأفضله ، وأقربه منزلة منه . أي : لم أدع إلهية ولا ملكية ، لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة ، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها ، وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر ، وهو النبوة . انتهى . وتعقبه الناصر في ( الانتصاف ) بقوله : هو يبنى على القاعدة المتقدمة له ، في تفضيل الملائكة على الأنبياء . ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده ، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها . ولمخالفه أن يقول : إنما أوردت الآية ردّا على الكفار في قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ . . الآية - فردّ قولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ بأنه بشر ، وذلك شأن البشر ، ولم يدّع أنه ملك حتى يتعجب من أكله للطعام ، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء ، لأنه لا خلاف أن الأنبياء ، يأكلون الطعام ، وأن الملائكة ليسوا كذلك ، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها ، ولا يوجب عليه ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء . وكذلك رد قولهم أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ بأنه لا يملك خزائن اللّه تعالى حتى يأتيهم بكنز منها على وفق مقترحهم ، ولا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة به . ثم قال الناصر رحمه اللّه : ولم يحسن الزمخشريّ في قوله ( ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة ) فإنه جعل الإلهية من جملة المنازل كالملكية ، ومثل هذا الإطلاق لا يسوغ . والمنزلة عبارة عن المحل الذي ينزل اللّه فيه العبد من علوّ وغيره ، فإطلاقها على الإلهية تحريف . واللّه الموفق للصواب . الثالث - قال الرازي : ظاهر قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يعمل إلا بالوحي ، وهو يدل على حكمين : الأول - أن هذا النص يدلّ على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام ، وأنه ما كان يجتهد ، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي ، ويتأكد