محمد جمال الدين القاسمي

361

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله . وهو من ( دبره ) إذا تبعه ، فكان في دبره . أي : خلفه . فالدابر ما يكون بعد الآخر ، ويطلق عليه تجوّزا . وقال أبو عبيد : دابر القوم آخرهم . وقال الأصمعيّ : الدابر الأصل ، ومنه : قطع اللّه دابره ، أي : أصله . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : على ما جرى عليهم من الهلاك . فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض ، من شؤم عقائدهم وأعمالهم ، نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها ، لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم ، عليهم السلام . تنبيهات : الأول - روي في هذه الآية أخبار وآثار . منها ما أخرجه الإمام أحمد « 1 » عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج . ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ . . - إلى - . . هُمْ مُبْلِسُونَ ورواه ابن جرير « 2 » وابن أبي حاتم عنه . و روى ابن أبي حاتم أيضا عن عبادة بن الصامت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : إذا أراد اللّه بقوم اقتطاعا فتح لهم ( أو فتح عليهم ) باب خيانة ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً . . الآية . ورواه أحمد وغيره . وقال الحسن البصري : من وسع اللّه عليه ، فلم ير أنه يمكر به ، فلا رأي له . ومن قتّر عليه ، ولم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له . ثم قرأ . فَلَمَّا نَسُوا . . . الآية - قال الحسن : مكر بالقوم ، ورب الكعبة ! أعطوا حاجتهم ثم أخذوا . وقال قتادة : بغت القوم أمر اللّه ، وما أخذ اللّه قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم ، فلا تغتروا باللّه ، فإنه لا يغتر باللّه إلا القوم الفاسقون - روى ذلك ابن أبي حاتم - الثاني - قال الرازيّ : قال أهل المعاني : وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد ، لتحسرهم على ما فاتهم من السلامة والعافية . الثالث - قال الزمخشري : في قوله تعالى : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إيذان

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 4 / 145 . ( 2 ) الأثر رقم 13241 من التفسير .