محمد جمال الدين القاسمي

36

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الرابعة : قال بعض الزيدية : ثمرة الآية تعظيم هذا اليوم المذكور ، وأنه يلزم الشكر للّه تعالى على التمسك بملّة الإسلام . وقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ متصل بذكر المحرمات . وما بينهما اعتراض بما يوجب أن يجتنب عنه . وهو أنّ تناولها فسوق ، وحرمتها من جملة الدين الكامل ، والنعمة التامة ، والإسلام المرضيّ . ومعناه : فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات : الميتة وما بعدها ، أي : أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة وما بعدها فِي مَخْمَصَةٍ أي : مجاعة يخاف معها الموت أو مبادئه - و ( المخمصة ) : مصدر مثل المغضبة والمعتبة . يقال : خمصه الجوع خمصا ومخمصة ، وخمص البطن ( مثلثة الميم ) خلا . غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي : غير منحرف إليه بالأكل فوق الضرورة ، أو العصيان بالسفر . كقوله تعالى : غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ * [ البقرة : 173 ] . فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لتناوله الحرام - فلا يؤاخذه به رَحِيمٌ أي : بإعطائه الرخصة فيه لعلمه بحاجة عبده المضطر ، وافتقاره إلى ذلك ، فيتجاوز عنه ويغفر له . و في ( المسند ) « 1 » و ( صحيح ) ابن حبان عن ابن عمر - مرفوعا - قال : قال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » . لفظ ابن حيان . و في لفظ لأحمد « 2 » : « من لم يقبل رخصة اللّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة » . ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان ، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها . وقد يكون مندوبا ، وقد يكون مباحا ، بحسب الأحوال . واختلفوا : هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق ، أو له أن يشبع ويتزود ؟ على أقوال . وليس من شرط تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما - كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم - بل متى اضطر إلى ذلك جاز له . وقد روى الإمام أحمد « 3 » عن أبي واقد الليثي ؛ أنهم قالوا : « يا رسول اللّه ! إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة . فمتى تحل لنا بها الميتة ؟ فقال : إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا ، فشأنكم بها . إسناده صحيح على شرط الشيخين ، والاصطباح : شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة ، وما كان منه بالعشيّ فهو الاغتباق ، ومعنى لم تحتفئوا : أي تقتلعوا . وفي اللفظة عدة روايات وروى أبو داود عن الفجيع العامريّ : « 4 » أنه أتى

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 2 / 108 والحديث رقم 5873 . ( 2 ) أخرجه في المسند 2 / 71 والحديث رقم 5392 . ( 3 ) أخرجه في المسند 5 / 218 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في : الأطعمة ، 36 - باب في المضطر إلى الميتة ، حديث 3817 .