محمد جمال الدين القاسمي

359

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 41 ] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ أي : تخصون بالدعوة فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ أي : إن شاء كشفه . والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير مطّردة ، بل هي تابعة لمشيئته تعالى ، المبنية على حكم استأثر بعلمها وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي : تتركون ما تشركون تركا كليّا لعلمكم بأنها لا تضر ولا تنفع . عطف على تَدْعُونَ ، وتوسيط الكشف بينهما مع تقارنهما ، وتأخر الكشف عنهما ، لإظهار كمال العناية بشأن الكشف والإيذان بترتبه على الدعاء خاصة . ثم بين تعالى أن من كفار الأمم السالفة من بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدائد ليخضعوا ويلتجئوا إلى اللّه تعالى ، فلم يفعلوا . تسلية لنبيه صلى اللّه عليه وسلم فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 42 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي : رسلا ، فكذبوهم ولم يبالوا ، لكونهم في الرخاء ، فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ أي : الشدة والقحط ، وَالضَّرَّاءِ أي : المرض ونقصان الأنفس والأموال لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي : يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم ، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 43 ] فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا أي : بالتوبة والتمسكن . ومعناه . نفي التضرع . كأنه قيل : فلم يتضرعوا . وجيء ب ( لولا ) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم ، كما قال وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم يكن فيها لين يوجب التضرع ، ولم يتزجروا وإنما ابتلوا به ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : من الشرك . فالاستدراك على المعنى لبيان الصارف لهم عن التضرع . وأنه لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم المزينة لهم .