محمد جمال الدين القاسمي
353
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثبت هذا ، فلقائل أن يقول : كيف قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب ، وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم . وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟ . والجواب : أن قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، والإحاطة بها ، وبيانه من وجهين : الأول - أن لفظ ( التفريط ) لا يستعل نفيا وإثباتا ، إلا فيما يجب أن يبين ، لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه . الثاني - أن جميع آيات القرآن ، أو الكثير منها ، دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ، ومعرفة اللّه ، ومعرفة أحكام اللّه . وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن ، كان المطلق هاهنا محمولا على ذلك المقيّد . أما قوله : إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع ، فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه ، لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه . فأما روايات المذاهب ، وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها . وأما تفاصيل علم الفروع ، فقال العلماء : إن القرآن دل على أن الإجماع ، وخبر الواحد ، والقياس ، حجة في الشريعة . فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن . وذكر الواحديّ رحمه اللّه لهذا المعنى أمثلة ثلاثة : المثال الأول - روي أن ابن مسعود « 1 » كان يقول : ما لي لا ألعن من لعنه اللّه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 59 - سورة الحشر ، 4 - باب وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ . عن عبد الله قال : لعن الله الواشمات والموتشمات والمتفلجات للحسن المغيّرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أمّ يعقوب . فجاءت فقالت : إنه بلغني إنك لعنت كيت وكيت . فقال : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ومن هو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول . قال : لئن كنت قرأتيه ، لقد وجدتيه . أما قرأت : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ؟ قالت : بلى . قال : فإنه قد نهى عنه . قالت : فإني أرى أهلك يفعلونه . قال : فاذهبي فانظري . فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا . فقال : لو كانت كذلك ما جامعتنا . وأخرجه مسلم في : اللباس والزينة ، حديث 120 .