محمد جمال الدين القاسمي

350

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

شاهدوا من البينات التي تخرّ لها صمّ الجبال ، لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي : خارق ، على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون . كقولهم وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . . . [ الإسراء : 90 ] . الآيات . قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي : إن اقتراحها جهل ، لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف ، المبني على قاعدة الاختيار . أو استئصالا لهم بالكلية ، فإن من لوازم جحد الآية الملجئة ، الهلاك ، جريا على سنته تعالى في الأمم السالفة . وتخصيص عدم العلم بأكثرهم ، لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال ، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعنادا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 38 ] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ أي : مستقرة فيها ، لا ترتفع عنها وَلا طائِرٍ يرتفع عنها إذ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي : أصناف مصنفة في ضبط أحوالها ، وعدم إهمال شيء منها ، وتدبير شؤونها ، وتقدير أرزاقها . ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ أي : ما تركنا ، وما أغفلنا ، في لوح القضاء المحفوظ ، مِنْ شَيْءٍ أي : جليل أو دقيق ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم ، لم يهمل فيه أمر شيء : والمعنى : أن الجميع علمهم عند اللّه ، لا ينسى واحدا منها من رزقه وتدبيره . كقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ هود : 6 ] . أي : مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانّها ، وحاصر لحركاتها وسكناتها . ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني : الأمم كلها ، من الدوابّ والطير ، فينصف بعضهم من بعض ، حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجمّاء من القرناء . وإيراد ضميرها على صيغة جمع العقلاء . لإجرائها مجراهم . تنبيهات : الأول - قال الزمخشري : إن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك ؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته ، ولطف علمه ، وسعة سلطانه ، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة الأصناف ، وهو حافظ لما لها وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن عن شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان .