محمد جمال الدين القاسمي
348
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] . وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي من خبرهم في مصابرة الكافرين ، وما منحوه من النصر ، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم ، وليس إمهالهم لإهمالهم ، بل لجريان سنته تعالى بتحقق صبر الرسل وشكرهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 35 ] وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ أي : شق وثقل ، عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ أي : عن الإيمان بما جئت به من القرآن ، ونأيهم عنه ، ونهيهم الناس عنه ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أي سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض ، حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها ، أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ أي مصعدا تعرج به فيها ، فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي : مما اقترحوه ، فافعل . وحسن حذف الجواب لعلم السامع به . أي : لكن لم يجعل اللّه لك هذه الاستطاعة ، إذ يصير الإيمان ضروريا غير نافع . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي : ولكنه شاء بمقتضى جلاله وجماله ، إظهار غاية قهره ، وغاية لطفه ، فَلا تَكُونَنَّ أي : بالحرص على إيمانهم ، أو الميل إلى نزول مقترحهم مِنَ الْجاهِلِينَ أي : بما تقتضيه شؤونه تعالى ، التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم . إما اختيارا ، فلعدم توجههم إليه . وإما اضطرارا ، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختبار . تنبيهات : الأول - في هذه الآية ما لا يخفى من الدلالة على المبالغة في حرصه صلى اللّه عليه وسلم على إسلام قومه . وتراميه عليه ، إلى حيث لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض ، أو من فوق السماء ، لأتى بها . رجاء إيمانهم ، وشفقة عليهم . الثاني - قال الناصر في ( الانتصاف ) : هذه الآية كافلة بالرد على القدرية في زعمهم أن اللّه تعالى شاء جمع الناس كلهم على الهدى فلم يكن . ألا ترى أن الجملة مصدرة ب ( لو ) ، ومقتضاها امتناع جوابها ، لامتناع الواقع بعدها . فامتناع اجتماعهم علي الهدى ، إذا إنما كان لامتناع المشيئة . فمن ثم ترى الزمخشريّ يحمل المشيئة على قهرهم على الهدى بآية ملجئة ، لا يكون الإيمان معها اختيارا ،