محمد جمال الدين القاسمي
347
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لصادق ، ولكننا نكذب ما جئتنا به . قال أبو السعود : وكأن صدق المخبر عند الخبيث ، بمطابقة خبره لاعتقاده . والأول هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية . وقرئ لا يُكَذِّبُونَكَ من ( أكذبه ) . بمعنى وجده كاذبا ، أو نسبه إلى الكذب ، أو بيّن كذبه ، وقال : أكذبه وكذبه بمعنى - كذا في القاموس وشرحه - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ افتنان في تسليته عليه الصلاة والسلام ، فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين . وإرشاد له صلى اللّه عليه وسلم إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام ، في الصبر على ما أصابهم من أممهم ، من فنون الأذية . وعدة ضمنية له صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما منحوه من النصر . وتصدير الكلام بالقسم ، لتأكيد التسلية . وتنوين ( رسل ) للتفخيم والتكثير - أفاده أبو السعود - . قال الزمخشري : في قوله تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ دليل على أن قوله : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ليس بنفي لتكذيبه ، وإنما هو من قولك لغلامك : ما أهانوك ، ولكنهم أهانوني ! انتهى . وناقشه الناصر في ( الانتصاف ) بأنه لا دلالة فيه ، لأنه مؤتلف مع نفي التكذيب أيضا ، وموقعه حينئذ من الفضيلة أبين . أي : هؤلاء لم يكذبوك ، فحقك أن تصبر عليهم ، ولا يحزنك أمرهم . وإذا كان من قبلك من الأنبياء قد كذبهم قومهم ، فصبروا عليهم ، وأنت إذ لم يكذبوك أجدر بالصبر . فقد ائتلف ، كما ترى ، بالتفسيرين جميعا . ولكنه من غير الوجه الذي استدل به ، فيه تقريب لما اختاره ، وذلك أن مثل هذه التسلية قد وردت مصرحا بها في نحو قوله تعالى : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فسلّاه عن تكذيبهم له ، بتكذيب غيرهم من الأمم لأنبيائهم . وما هو إلا تفسير حسن مطابق للواقع ، مؤيد بالنظائر - واللّه أعلم - . فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا أي على تكذيبهم وإيذائهم ، فتأسّ بهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي : لمواعيده ، من قوله : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [ الصافات : 171 - 172 ] ، وقوله