محمد جمال الدين القاسمي
34
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
[ الأنعام : 38 ] . وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . و قد صح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : « تركتكم على الواضحة ، ليلها كنهارها » . وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين . وبما يفيد هذا المعنى ، ويصحح دلالته ، ويؤيد برهانه ، ويكفي في دفع الرأي ، وأنه ليس من الدين - قول اللّه تعالى هذا . فإنه إذا كان اللّه قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل اللّه دينه لأنه إن كان من الدين - في اعتقادهم - فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم ، وهذا فيه ردّ للقرآن . وإن لم يكن من الدين ، فأيّ فائدة في الاشتغال بما ليس منه ؟ وما ليس منه فهو ردّ بنص السنة المطهرة . كما ثبت في ( الصحيح ) - وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدا . فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصكّ به وجوه أهل الرأي ، وترغم به آنافهم ، وتدحض به حجتهم . فقد أخبرنا اللّه في محكم كتابه أنه أكمل دينه . ولم يمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن اللّه عز وجل . فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له : إنّ اللّه أصدق منك : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [ النساء : 122 ] . اذهب لا حاجة لنا في رأيك . وليت المقلدة فهموا هذه الآية حقّ الفهم حتى يستريحوا ويريحوا . وقد أخبرنا اللّه في محكم كتابه أنّ القرآن أحاط بكل شيء فقال : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] . وقال : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً [ النحل : 89 ] . ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [ المائدة : 49 ] . وقال : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] . وقال : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [ الأنعام : 57 ] . وقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . وفي آية . . . هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] . وفي أخرى . . هُمُ الْفاسِقُونَ [ المائدة : 47 ] . وأمر عباده أيضا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسوله صلى اللّه عليه وسلم فقال : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . وهذه أعمّ آية في القرآن ، وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة ، وقال : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ * [ النساء : 59 ] . وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ، 1 - باب اتباع سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 5 ونصه : عن أبي الدرداء قال : خرج علينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه . فقال « الفقر تخافون ؟ والذي نفسي بيده ! لتصبّنّ عليكم الدنيا صبّا ، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إلّاهيه . وأيم الله ! لقد تركتكم على مثل البيضاء ، ليلها كنهارها سواء » .