محمد جمال الدين القاسمي

332

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم بيّن تعالى أن إنكاره خسران لما عرفوه ، ولما أمروا بالتدين به بقوله الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي : من المشركين فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي : بهذا الأمر الجليّ الظاهر الذي بشرت به الأنبياء ، وتوهّت به ، لأنه مطبوع على قلوبهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 21 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً كقولهم : الملائكة بنات اللّه [ الأنعام : 100 ] ، وهؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . قال تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] . أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي : القرآن والمعجزات ، حيث سموها سحرا . وإنما ذكر أَوْ مع أنهم جمعوا بين الأمرين ، تنبيها على أن كلّا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس . فكيف ؟ وهم وقد جمعوا بينهما ، فأثبتوا ما نفاه اللّه تعالى ، ونفوا ما أثبته . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي : لا ينجون من مكروه ، ولا يفوزون بمطلوب . وإذا كان حال الظالمين هذا ، فكيف بمن لا أحد أظلم منه ؟ تنبيه : ما ذكرناه من كون الموصول كناية عن المشركين هو الظاهر ، لأن السورة مكية ، والخطاب مع مشركي أهلها . وجعله البيضاويّ لهم ، ولأهل الكتاب ، وقوفا مع عموم اللفظ ، والمهايميّ ؛ لأهل الكتاب خاصة ، ربطا للآية بما قبلها . والظاهر الأول ، لما قلنا . وعبارة المهايميّ : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتفويت ما أوتوا من الكتاب ، وما أمروا به ، فهم لا يؤمنون . وكيف لا يخسرون ، وهم ظالمون ، وكل ظالم خاسر ؟ وإنما قلنا : إنهم ظالمون ، لأنهم يحرفون كتاب اللّه لفظا أو معنى ، فيفترون على اللّه الكذب ، ويكذبون آيات اللّه من كتابهم ، ومعجزات محمد صلى اللّه عليه وسلم وكتابه . وقد يسترون بعض ما في كتابهم ، وهو أيضا تكذيب . فعلوا جميع ذلك لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم بدون أحد هذه الأمور . وقال في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ الآية : لأنهم بالتحريف يدّعون إلهية أنفسهم ، وبالتكذيب يريدون تعجيز اللّه عن تصديقه الرسل ، وينسبون إيجادها إلى غير اللّه ، مع افتقارها إلى القدرة الكاملة . وإنما قلنا : كل ظالم خاسر ، لأن كل ظالم