محمد جمال الدين القاسمي
330
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها . ومتى كان كذلك ، لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ، فوجب أن لا يجوز دعوة اللّه بهذا الاسم ، لأنه ليس من الأسماء الحسنى ، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها . وأجيب : بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى ، لكونها توقيفية ، وكونه لا يدعى به لعدم وروده - لا ينافي شموله للذات العلية ، شمول العامّ . والمراد بإطلاقه عليه تعالى ( فيما تقدم ) شموله ، لا تسميته به . وبالجملة ، فلا يلزم أن كونه ليس من الأسماء الحسنى ، أن لا يشمل الذات المقدسة شمولا كليا ، كيف ؟ وهو الموضوعات العامة . والتحاكم للغويين في ذلك - كما قدمنا - . الثانية - ما أسلفناه من أن المعنيّ بالشهادة هو شهادته تعالى في ثبوت النبوة له صلى اللّه عليه وسلم ، هو الذي جنح إليه الأكثر . وكأن مشركي مكة طلبوا منه صلى اللّه عليه وسلم شاهدا على نبوته . فقيل لهم : أكبر شيء شهادة هو اللّه تعالى ، وقد شهد لي بالنبوة ، لأنه أوحى إليّ هذا القرآن ، وتحدّاكم بمعارضته ، فعجزتم ، وأنتم أنتم في مقام البلاغة . وإذ كان معجزا ، كان إظهاره تعالى إياه على وفق دعواي ، شهادة منه على صدقي في النبوة . ولبعضهم وجه آخر ، وهو أن المعني ، شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته ، وتنزهه عن الأنداد والأشباه . ويرشحه تتمة الآية ، وهو قوله : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ . . . إلخ ، وقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . [ آل عمران : 18 ] . وقوله تعالى : فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [ الأنعام : 150 ] . مما يدل على أن الشهادة إنما عنى بها ، في موارد التنزيل ، ثبوت الوحدانية ، والقرآن يفسر بعضه بعضا - واللّه أعلم - . الثالثة - إنما اقتصر على الإنذار في قوله لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ لكون الخطاب مع كفار مكة ، وليس فيهم من يبشّر . أو اكتفى به عن ذكر البشارة على حدّ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] . الرابعة - استدل بقوله تعالى : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ على أنه صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة ، وإلى الجن . الخامسة - استدل به أيضا على أن أحكام القرآن تعمّ الموجودين يوم نزوله ، ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة ، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل - عند الحنابلة - وبالإجماع عندنا في غير الموجودين ، وفي غير المكلفين يومئذ - أفاده أبو السعود - .