محمد جمال الدين القاسمي
329
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يا أهل مكة ! وسائر من بلغه من الناس كافة ، فهو نذير لكل من بلغه ، كقوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] . أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى تقرير لهم مع إنكار واستبعاد . قُلْ لا أَشْهَدُ بما تشهدون ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أي : بل أشهد أن لا إله إلا هو ، لا يشارك في إلهيته ، ولا في صفات كماله وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ يعني : الأصنام . وفي هذه الآية . مسائل : الأولى - استدل الجمهور بقوله تعالى قُلِ اللَّهُ في جواب أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً على جواز إطلاق ( الشيء ) عليه تعالى . وكذا بقوله سبحانه وتعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . فإن المستثنى يجب أن يدخل تحت المستثنى منه ، وذلك لأن الشيء أعم العامّ - كما قال سيبويه - لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، واختار الزمخشري شموله حتى للمستحيل . وصرح كثير من المحققين بأنه يختص بالموجود ، وضعفوا من أطلقه على المعدوم ، بأنه محجوج بعدم استعمال العرب ذلك ، كما علم باستقراء كلامهم ، وبنحو . كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، إذ المعدوم لا يتصف بالهلاك ، وبنحو : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . إذ المعدوم لا يتصور منه التسبيح . قال الناصر في ( الانتصاف ) : هذه المسألة معدودة من علم الكلام باعتبار مّا ، وأما هذا البحث فلغويّ ، والتحاكم فيه لأهل اللغة . وظاهر قولهم : غضبت من لا شيء . إذا رأى غير شيء ظنه رجلا أن الشيء لا ينطلق إلا على الموجود ، إذ لو كان الشيء كل ما يصح أن يعلم ، عدما كان أو وجودا ، أو ممكنا أو مستحيلا ، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشيء ، والأمر في ذلك قريب . انتهى . هذا ، وتمسك من منع إطلاقه عليه تعالى قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] ، والاسم إنما يحسن لحسن مسماه ، وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال ، ونعت من نعوت الجلال . ولفظ ( الشيء ) أعمّ الأشياء ،