محمد جمال الدين القاسمي
322
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وتقريع ، قُلْ لِلَّهِ تقرير للجواب ، نيابة عنهم . أي : هو اللّه ، لا خلاف بيني وبينكم ، ولا تقدرون أن يضيفوا شيئا منه إلى غيره . ففيه تنبيه على تعينه للجواب اتفاقا ، كما في قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * . ومن المقرر أن أمر السائل بالجواب إنما يحسن في موضع يكون فيه الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا على دفعه دافع ، كما هنا . قيل : وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب ، مع تعينه ، لكونهم محجوجين . وقوله تعالى : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ جملة مستقلة داخلة تحت الأمر ، ناطقة بشمول رحمته الواسعة لجميع الخلق ، شمول ملكه وقدرته للكل ، مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف بعباده ، لا يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم التوبة والإنابة ، وأن ما سبق ذكره ، وما لحق من أحكام الغضب ، ليس من مقتضيات ذاته تعالى ، بل من جهة الخلق . كيف لا ؟ ومن رحمته أن خلقهم على الفطرة السليمة ، وهداهم إلى معرفته وتوحيده ، بنصب الآيات الأنفسية والآفاقية ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب المشحونة بالدعوة إلى موجبات رضوانه ، والتحذير عن مقتضيات سخطه . وقد بدلوا فطرة اللّه تبديلا ، وأعرضوا عن الآيات بالمرة ، وكذبوا بالكتب ، واستهزءوا بالرسل ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ الزخرف : 76 ] . ولولا شمول رحمته لسلك بهؤلاء أيضا مسلك الغابرين . ومعنى : ( كتب الرحمة على نفسه ) أنه تعالى أوجبها وقضاها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة ، بالذات ، لا بتوسط شيء أصلا . وفي التعبير عن ( الذات ) ب ( النفس ) حجة على من ادعى أن لفظ ( النفس ) لا يطلق على اللّه تعالى . وإن أريد به الذات ، إلا مشاكلة ، لما ترى من انتفاء المشاكلة هاهنا - أفاده أبو السعود - . وقوله تعالى : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ جواب قسم محذوف . والجملة استئناف مسوق للوعيد ، على إشراكهم وإغفالهم النظر ، لأنه لما بين كمال إلهيته ، بقوله قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قُلْ لِلَّهِ . ثم أخبر بأنه يرحمهم في الدنيا بالإمهال ، ودفع عذاب الاستئصال ، أعلم أنه يجمعهم لذلك اليوم ، ويحاسبهم على كل ما فعلوا ، لأن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ، ولا يسوغ في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي قيل : لَيَجْمَعَنَّكُمْ جواب لقوله : كَتَبَ ، لأنه يجري مجرى القسم . وقيل : لَيَجْمَعَنَّكُمْ بدل من الرحمة ، بدل البعض .