محمد جمال الدين القاسمي

319

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

السلام ، وغير ذلك . وحيث كان شأنهم كذلك ، وهم مؤيدون بالقوى القدسية ، فما ظنك بمن عداهم من العوام ؟ فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية ، واستحال جعله نذيرا ، وهو - مع كونه خلاف مطلوبهم - مستلزم لإخلاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة ، من إرسال الرسل ، وتأسيس الشرائع ، وقد قال سبحانه : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . انتهى . وفي ( العناية ) أن الوجه الثالث لا يناسب قوله : ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ، لأنه يدل على إهلاكهم ، لا على هلاكهم ، برؤية الملك ، إلا بتكلف . هذا ، وقال الناصر في ( الانتصاف ) : على الوجه الأول لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك . فإنه ربما يفهم هذا الكلام أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح ، وليس الأمر كذلك . فالوجه - واللّه أعلم - أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم ، أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه ، إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزا ، لا المعجز الخاص ، فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم ، فلم ينجع فيهم ، كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النّظرة - واللّه أعلم - . قال المهايميّ : لا دليل على النبوة سوى شهادة الملك ، وتنزيل الملك بصورته الملكوتية يقطع أمر التكليف ، إذ لا ينفع الإيمان بعد انكشاف عالم الملكوت ، فلا يمهلون ، لأن الإمهال للنظر . والمعجزة - وإن أفادت علما ضروريّا - لا تخلو عن خفاء يحتاج إلى أدنى نظر ، ولا خفاء مع انكشاف عالم الملكوت ، فلا وجه للإمهال للنظر ، فلا يقبل الإيمان معه ، فلا بد من المؤاخذة عقيبه . انتهى - فليتأمل - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 9 ] وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا جواب ثان . أي : ولو جعلنا النذير الذي اقترحوه ملكا لمثلناه رجلا ، لما مرّ من عدم استطاعة الآحاد ، لمعاينة الملك على صورته ، من النور . وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية . وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ جواب محذوف . أي : ولو جعلناه رجلا لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم حينئذ ، بأن يقولوا له : إنما أنت بشر ، ولست بملك . ولو استدل على