محمد جمال الدين القاسمي

317

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

نُمَكِّنْ لَكُمْ أي : ما لم نجعل لكم من السعة والرفاهية وطول الأعمار ، يا أهل مكة ! وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ أي المطر . قال المهايمي : هو أبلغ من أنزلنا في الدلالة على الكثرة ، عَلَيْهِمْ مِدْراراً أي كثيرا ، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي من تحت أشجارهم ، فعاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار ، وسقيا الغيث المدرار ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي : بسبب ذنوبهم وكفرهم ، وتكذيبهم رسلهم ، وجعلناهم أحاديث ، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه . أي وسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب . وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ أي : بدلا من الهالكين ، يعني : فلا يتعاظمه تعالى أن يهلك هؤلاء ، ويخلي ديارهم منهم ، وينشئ أمة سواهم ، فما هم بأعزّ على اللّه منهم . والرسول الذي كذبوه أكرم على اللّه من رسلهم . فهم أولى بالعذاب ، ومفاجأة العقوبة ، لولا لطفه وإحسانه . ثم بين تعالى شدة مكابرتهم ، إثر إعراضهم ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 7 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ أي : مكتوبا في ورق فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ أي : فمسوه ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا أي : ليس هذا المعظم بهذه الوجوه الدالة على أنه لا يكون إلا من اللّه ، إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتا وعنادا ، وتخصيص ( اللمس ) لأن التزوير لا يقع فيه ، فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا ، ولأنه يتقدمه الإبصار ، حيث لا مانع . وتقييده ب ( الأيدي ) لرفع التجوز ، فإنه قد يتجوز به للفحص ، كقوله : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [ الجن : 8 ] - أفاده البيضاوي . قال الناصر في ( الانتصاف ) : والظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم ، تحقيق القراءة على قرب . أي : فقرؤوه وهو في أيديهم ، لا بعيد عنهم ، لما آمنوا . وقال ابن كثير : وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [ الحجر : 14 - 15 ] . ولقوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ [ الطور : 44 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 8 ] وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي : ليكون معه فيكلمنا أنه نبيّ ، كقوله : لَوْ لا