محمد جمال الدين القاسمي

315

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ أي من الأقوال أو الدواعي والصوارف القلبية وأعمال الجوارح ، وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ أي : ما تفعلونه من خير أو شر ، فيثيب عليه ويعاقب . وتخصيصه بالذكر ، مع اندراجه فيما سبق ، على التفسير الثاني للسر والجهر - لإظهار كمال الاعتناء به الذي يتعلق به الجزاء . وهو السر في إعادة ( يعلم ) . قال الناصر في ( الانتصاف ) : وما هاتان الآيتان الكريمتان - يعني هذه الآية وآية الزخرف ، وهي قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] - إلّا توأمتان . فإن التمدح في آية الزخرف ، وقع بما وقع التمدح به هاهنا من القدرة على الإعادة والاستئثار بعلم الساعة والتواجد في الألوهية ، وفي كونه تعالى المعبود في السماوات والأرض . وقال الإمام ابن كثير رحمه اللّه تعالى : للمفسرين في هذه الآية أقوال ، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية ، الأول القائلين - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - بأنه في كل مكان ، حيث حملوا الآية على ذلك . فالأصح من الأقوال أنه المدعوّ في السماوات والأرض ، أي : يعبده ويوحده ويقرّ له بالآلهية من في السماوات ومن في الأرض ، ويسمونه اللّه ، ويدعونه رَغَباً وَرَهَباً [ الأنبياء : 90 ] . إلا من كفر من الجن والإنس . وهذه الآية - على هذا القول - كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ . أي : هو إله من في السماء وإله من في الأرض ، وعلى هذا ، فيكون قوله : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبرا أو حالا . والقول الثاني - إن المراد أنه اللّه الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سر وجهر . فيكون قوله يَعْلَمُ متعلقا بقوله فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ تقديره : وهو اللّه يعلم سركم وجهركم في السماوات . . . إلخ . والقول الثالث - إن قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وقف تام ، ثم استأنف الخبر فقال : وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وهذا اختيار ابن جرير . انتهى . ورجح ابن عطية في الآية : أنه الذي يقال له اللَّهُ فيهما . قال : وهذا عندي أفضل الأقوال ، وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ ، وجزالة المعنى ، وإيضاحه : أنه أراد أن يدل على خلقه ، وآيات قدرته ، وإحاطته واستيلائه ، ونحو هذه الصفات . فجمع هذه كلها في قوله وَهُوَ اللَّهُ - الّذي له هذه كلّها - فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ كأنه قال : وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما .