محمد جمال الدين القاسمي
313
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به ، إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى ، مع معاينتهم لموجبات توحيده . وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث ، مع أن ما ذكره من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها ، كما ورد في قوله تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] . لما أن محل النزاع بعثهم . فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر ، وهم بشؤون أنفسهم أعرف ، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح . والالتفات لمزيد التشنيع والتوبيخ . أي : ابتدأ خلقكم منه ، فإنه المادة الأولى للكل ، لما أنه منشأ آدم الذي هو أبو البشر . وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين ، لا إلى آدم عليه السلام ، وهو المخلوق منه حقيقة . بأن يقال : هو الذي خلق أباكم . . إلخ مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه ، في إيجاب الإيمان بالبعث ، وبطلان الامتراء - لتوضيح منهاج القياس ، وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس . مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية : هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه ، عليه السلام ، منه ، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه ، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد الجنس ، انطواء إجماليا ، مستتبعا لجريان آثارها على الكل . فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه . ولما كان خلقه على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته ، أبدع من أن يكون ذلك مقصورا على نفسه ، كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه ، وأدل على عظم قدرة الخلاق العليم ، وكمال علمه وحكمته ، وكان ابتداء حال المخاطبين أولى بأن يكون معيارا لانتهائها - فعل ما فعل . وللّه در شأن التنزيل ! وعلى هذا السر مدار قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] . إلخ . وقوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 9 ] . كما سيأتي . وقيل : المعنى خلق أباكم منه ، على حذف المضاف . وقيل : معنى خلقهم منه ، خلقهم من النطفة الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض . وأيا ما كان ، فيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث ، ما لا يخفى . فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط ، كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة - أفاده أبو السعود - . وفي ( العناية ) : أن في الآية التفاتا ، لأن الخطاب - وإن صح كونه عامّا - لكنه خاص بالذين كفروا ، كما يقتضيه ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ . ونكتته أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة ، والشكر عليه أوجب . وقد أشير في