محمد جمال الدين القاسمي
312
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وكلمة ( ثم ) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية ، القاضية ببطلانه . و ( الباء ) متعلقة ب ( يعدلون ) ووضع ( الرب ) موضع ضميره تعالى ، لزيادة التشنيع والتقبيح . والتقديم لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد ، والمحافظة على الفواصل ، وترك المفعول لظهوره ، أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل ، بتنزيله منزلة اللازم ، إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد ، لا خصوصية المفعول . هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل - أفاده أبو السعود - . ثم ناقش ما وقع للمفسرين هنا مما يخالفه . فانظره . وأصل ( العدل ) مساواة الشيء بالشيء . والمعنى : أنهم يجعلون له عديلا من خلقه ، مما لا يقدر على شيء ، فيعبدون الحجارة ، مع إقرارهم بأن اللّه خلق السماوات والأرض . وقال النضر بن شميل : ( الباء ) بمعنى ( عن ) أي : عن ربهم يعدلون وينحرفون ، من العدول عن الشيء . لطيفة : قال ابن عطية رحمه اللّه : ( ثم ) دالة على قبح فعل الذين كفروا ، لأن المعنى أن خلقه السماوات قد تقرر ، وآياته قد سطعت ، وإنعامه بذلك قد تبين ، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم . فهذا كما تقول : أعطيتك وأحسنت إليك ، ثم تشتمني ؟ ولو وقع العطف في هذا ونحوه ب ( الواو ) لم يلزم التوبيخ كلزومه ب ( ثم ) . انتهى . أي : ففيها الدلالة على التوبيخ والإنكار ، كالتعجيب أيضا . قال أبو حيان : هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن ( ثم ) للتوبيخ . والزمخشري من أنها للاستبعاد - مفهوم من سياق الكلام ، لا من مدلول ( ثم ) . انتهى . وإنما لم تحمل ( ثم ) على التراخي ، مع استقامته ، لكون الاستبعاد أوفق بالمقام ، لأن التراخي الزمانيّ معلوم فيه ، فلا فائدة في ذكره . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 2 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث ، مع