محمد جمال الدين القاسمي
31
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والشرائع التي تعبد اللّه عز وجل بها عباده ، في الأوقات المختلفة ، مختلفة . وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبّد بها . فكمل اللّه عز وجل الشرائع في اليوم الذي ذكره - وهو يوم عرفة - ولم يوجب ذلك ، أنّ الدين كان ناقصا في وقت من الأوقات . وللإمام القفّال نحو ذلك ، نقله عنه الرازيّ واختاره . قال : إنّ الدين ما كان ناقصا البتة ، بل كان أبدا كاملا . يعني : كانت الشرائع النازلة من عند اللّه في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلّا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه . فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت . وكان يزيد بعد العدم . وأما في آخر زمان المبعث فأنزل اللّه شريعة كاملة ، وحكم ببقائها إلى يوم القيامة . فالشرع أبدا كان كاملا . إلّا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص . والثاني كمال إلى يوم القيامة . فلأجل هذا قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني بإكمال الدين والشريعة . لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام . أو بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين . وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ، وأن لم يحج معكم مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . أو بإنجاز ما وعدهم بقوله : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ . فكان من تمام النعمة فتح مكة وما ذكرنا . وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً يعني : اخترته لكم من بين الأديان ، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضيّ وحده . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] ، أو معناه : الانقياد لأمري فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم . ومعلوم أن الإسلام لم يزل مرضيّا للحق تعالى منذ القدم ، إلّا أن المعنيّ به ، في الآية ، الصفة التي هو اليوم بها . وهي نهاية الكمال والبلوغ به أقصى درجاته . أي : فالزموه ولا تفارقوه : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . [ آل عمران : 19 ] . . ! روى البغويّ بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : قال جبريل : قال اللّه عز وجلّ : هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلّا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه . فوائد : الأولى : روى الإمام أحمد والشيخان « 1 » وغيرهم عن طارق بن شهاب قال : جاء
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 5 - سورة المائدة ، 2 - باب قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، حديث 41 .