محمد جمال الدين القاسمي
309
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أي جميع المحامد ، بما حمد به نفسه أو خلقه ، أو حمد به الخلق ربهم ، أو بعضهم ، مخصوص به . ثم أخبر عن قدرته الكاملة ، الواجبة لاستحقاقه لجميع المحامد بقوله : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم المخلوقات ، فيما يرى العباد ، وفيهما العبر والمنافع ، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية . والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات . وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي : أوجدهما منفعة لعباده ، في ليلهم . ونهارهم . وهاهنا : لطائف : الأولى - أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة ، دون ما سواه . الثانية - لفظ ( جعل ) يتعدى إلى واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ ، كما هنا ؛ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى ( صيّر ) كقوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] . والفرق بين ( الخلق ) و ( الجعل ) أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي ( الجعل ) معنى التضمين ، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان . ومن ذلك : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] . أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ الزمر : 6 ] . وإنما حسّن لفظ ( الجعل ) هاهنا ، لأن النور والظلمة لما تعاقبا ، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر - قاله الرازيّ - وسبقه إليه الزمخشريّ .