محمد جمال الدين القاسمي

300

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و قد روي بذلك حديث مرفوع ، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد اللّه مولى عمر بن عبد العزيز ، وكان ثقة قال : سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه ، أبي موسى الأشعري . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم . ثم يدعى بعيسى فيذكره اللّه نعمته عليه فيقرّ بها فيقول : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ الآية ، ثم يقول : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ فينكر أن يكون قال ذلك ، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون : نعم هو أمرنا بذلك ! قال : فيطول شعر عيسى عليه السلام . فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي اللّه عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار ! قال ابن كثير : وهذا حديث غريب عزيز ! الثاني : إيثار قوله تعالى أُمِّي على مَرْيَمَ توبيخ للمتخذين ، على توبيخ ، أي مع أنك بشر تلد وتولد قبل هذا . الثالث : توهم بعضهم أن كلمة ( من دون اللّه ) تفيد أنّ النصارى يعتقدون أن عيسى وأمه ، عليهما السلام . مستقلان باستحقاق العبادة ، بدلا عن اللّه تعالى . كما يقال : اتخذت فلانا صديقا دوني . فإن معناه أنه استبدله به ، لا أنه جعله صديقا معه . وهم لم يقولوا بذلك . بل ثلّثوا . فأجاب : بأن من أشرك مع اللّه غيره فقد نفاه معنى . لأنه وحده لا شريك له ، منزه عن ذلك . فإقراره باللّه كلا إقرار . فيكون مِنْ دُونِ اللَّهِ مجازا عن ( مع اللّه ) . ولا يخفى أن هذا تكلف . لأن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل . فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه . كما في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 165 ] . وقوله عز وجل : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ - إلى قوله تعالى - سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ * [ يونس : 18 ] . إذ به يتأتى التوبيخ ، ويتسنى التقريع والتبكيت . هذا ما حققوه هنا . وأقول : إن كلمة ( دون ) في هذه الآية وأمثالها بمعنى ( غير ) كما حققه اللغويون . ولا تفيد ، وضعا ، الاستقلال والبدلية ، كما توهم وسر ذكرها إفهام الشركة . لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه . مع أنهم لا يعتقدون ذلك . ولا