محمد جمال الدين القاسمي
290
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
و في ( الصحيح ) « 1 » في حديث الشفاعة : إنّ ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله . قالُوا من هيبته تعالى ، وتفويضا للأمر إلى علم سلطانه وتأدّيا بليغا في ذاك الموقف الجلاليّ لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي : ومن علم الخفيات ، لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم . تنبيهات : الأول : قال الرازيّ : اعلم أنّ عادة اللّه تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنّه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إمّا بالإلهيات ، وإمّا بشرح أحوال الأنبياء ، أو بشرح أحوال القيامة ، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع . فلا جرم ، لمّا ذكر - فيما تقدم - أنواعا كثيرة من الشرائع ، أتبعها بوصف أحوال القيامة . الثاني : قال الزمخشريّ فإن قلت : ما معنى سؤالهم ؟ قلت : توبيخ قومهم . كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد . فإن قلت : كيف يقولون : لا علم لنا ، وقد علموا بما أجيبوا ؟ قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم ، فيكلون الأمر إلى علمه ، وإحاطته بما منوا به منهم ، وكابدوا من سوء إجابتهم ، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وذلك أعظم على الكفرة ، وأفتّ في أعضادهم ، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم . إذا اجتمع توبيخ اللّه وتشكّي أنبيائه عليهم . ومثاله : أن ينكب بعض الخوارج على السلطان ، خاصة من خواصّه نكبة ، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها ، وعزم على الانتصار له منه ، فيجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجيّ ؟ ( وهو عالم بما فعل به ) يريد توبيخه وتبكيته ، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بي ، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه ، واتكالا عليه ، وإظهارا للشكاية ، وتعظيما لما حلّ به منه . انتهى . واستظهر الرازيّ أن نفي العلم لهم على حقيقته عملا بما تقرر من أن العلم غير الظن . قال : لأن الحاصل من حال الغير عن كل أحد إنما هو الظن لا العلم . وفي
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، 3 - باب قول الله عز وجلّ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ * ، حديث 1579 عن أبي هريرة . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 327 و 328 .