محمد جمال الدين القاسمي
286
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
واستدلّ بالآية على جواز شهادة الكفار بناء على المراد بال ( غير ) الكفار . وخصّ جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ . منهم : ابن عباس وأبو موسى الأشعريّ ، وسعيد بن المسيّب ، وابن سيرين ، والأوزاعيّ ، والثوريّ ، وأبو عبيد ، وأحمد - وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية - وقوّى ذلك حديث الباب - يعني حديث ابن عباس المتقدم - فإن سياقه مطابق لظاهر الآية . وقيل : المراد بال ( غير ) العشيرة . والمعنى ( منكم ) أي : من عشيرتكم أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي : من غير عشيرتكم ، وهو في قول الحسن واحتجّ له النحاس بأن لفظ ( آخر ) لا بدّ أن يشارك الذي قبله في الصفة ، حتى لا يسوغ أن تقول : مررت برجل كريم ولئيم آخر . فعلى هذا فقد وصف ( الاثنان ) بالعدالة . فيتعيّن أن يكون ( الآخران ) كذلك . وتعقب بأن هذا - وإن ساغ في الآية الكريمة - لكن الحديث دلّ على خلاف ذلك . والصحابيّ إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا . وأيضا ، ففي ما قال ردّ المختلف فيه بالمختلف فيه . لأن اتّصاف الكافر بالعدالة مختلف فيه . وهو فرع قبول شهادته ، فمن قبلها وصفه بها ، ومن لا ، فلا . واعترض أبو حيّان على المثال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق . فلو قلت : جاءني رجل مسلم وآخر كافر ، صحّ . بخلاف ما لو قلت : جاءني رجل مسلم وكافر آخر . والآية من قبيل الأول لا الثاني . لأن قوله أَوْ آخَرانِ من جنس قوله ( اثنان ) ، لأن كلاهما منهما صفة ( رجلان ) ، فكأنه قال : فرجلان اثنان ورجلان آخران . وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة . وأن ناسخها قوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ واحتجوا بالإجماع على ردّ شهادة الفاسق . والكافر شرّ من الفاسق . وأجاب الأولون : بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال ، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما . وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن . حتى صحّ عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف ، أن سورة المائدة محكمة . وعن ابن عباس ؛ أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين ، فإن اتّهما استحلفا . أخرجه الطبريّ بإسناد رجاله ثقات . وأنكر أحمد على من قال : إن هذه الآية منسوخة . وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ أن عمل بذلك بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كما تقدّم . ورجّح الفخر الرازيّ - وسبقه الطبريّ - لذلك . أن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمؤمنين . فلما قال أَوْ آخَرانِ وضح أنه أراد غير المخاطبين .