محمد جمال الدين القاسمي

284

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله ( هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) الظاهر - واللّه أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعديّ بن بداء . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 108 ] ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 108 ) ثم بيّن وجه الحكمة والمصلحة المتقدم تفصيله بقوله : ذلِكَ أي : الحكم المذكور أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي : أقرب إلى أن يؤدي الشهود - أو الأوصياء - الشهادة في نحو تلك الحادثة على حقيقتها من غير تغيير لها ، خوفا من العذاب الأخرويّ . ف ( الوجه ) بمعنى الذات والحقيقة . قال أبو السعود : وهذه - كما ترى - حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور ! وقوله تعالى : أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ بيان لحكمة شرعية ردّ اليمين على الورثة ، معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام ؛ كأنه قيل : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة . أو يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم ، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة ، ويغرموا فيمتنعوا من ذلك . وَاتَّقُوا اللَّهَ أي : في مخالفة أحكامه التي منها هذا الحكم ، وهو ترك الخيانة والكذب وَاسْمَعُوا أي : ما تؤمرون به سماع قبول وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي : الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته ، أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم . وقد استفيد من الآية أحكام : الأول - لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه . لأنه تعالى قال حِينَ الْوَصِيَّةِ أي : وقت أن تحق الوصية وتلزم . الثاني - قال بعضهم : دلّ قوله تعالى : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ على أن الحكم شرطه أن يشهد فيه اثنان عدلان . وهذا إطلاق لم يفصل فيه بين حقّ اللّه وحق غيره ، ولا بين الحدود وغيرها ، إلّا شهادة الزنى . فلقوله تعالى في النور : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [ النور : 4 ] ، وهذا مجمع عليه . قال ابن القيّم في ( أعلام الموقّعين ) : إنه سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من