محمد جمال الدين القاسمي
275
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لطيفة : قال الرازي : فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد والإماء ، فلم لا يجوز إعتاق هذه البهائم من الذبح والإتعاب والإيلام ؟ قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته . فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادته تعالى ، فكان ذلك قربة مستحسنة . وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع الناس . فإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها وعلى غيره . أي وهو خلاف الحكمة التي خلقت هي لأجلها . على أن الرقيق إذا أعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، بخلاف البهيمة . ففي تسيبها إيقاع لها في أنواع من المحنة والمشقة . قال المهايمي : قاسوه ( يعني التبحير ) على عتق الإنسان مع ظهور الفرق . لما في عتق الإنسان من تمليك التصرفات ، ولا تصرف للحيوانات العجم . ثم قال : الأول كالعتق بلا نذر . والثاني كالعتق بالنذر . والثالث مشبه بما يشبه العتق . والرابع ملك النفس بلا تمليك . ولا معنى للتمليك في الحيوانات العجم ، فهذه الأمور غير معقولة ظاهرا وباطنا ، فلا يفعلها الحكيم . تنبيه : قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية تحريم هذه الأمور . واستنبط منه تحريم جميع تعطيل المنافع . ومن صور السائبة : إرسال الطائر ونحوه . واستدل ابن الماجشون بالآية على منع أن يقول لعبده : أنت سائبة . وقال : لا يعتق . انتهى . وقال بعض مفسري الزيدية : قال الحاكم : استدل بعضهم على بطلان الوقف بالآية الكريمة . لأن الملك لا يخرج عن ملك صاحبه إلا إلى مالك آخر . أو على وجه القربة إلى الله . كتحرير الرقاب . قال الحاكم : وليس بصحيح . لأن الوقف قربة كالعتق . ولقائل أن يقول : يستدل بالآية على نظير ذلك . وهو ما يلقى في الأنهار والطريق وقرب الأشجار ، من طرح البيض والفراريج ونحو ذلك . فلا يجوز فعله ، ولا يزول ملك المالك . ويحتمل أن يقال : قد رغب عنه وصيره مباحا . وأما كسر البيض على العمارة والطريق والأبواب ، فالظاهر عدم الجواز . لأن في ذلك إضاعة مال ، ولم يرد بفعله دليل . انتهى . ولما بيّن تعالى أن أكثرهم لا يعقلون أن تحريم هذه الأشياء افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق ، وإنما يقلدون قدماءهم - أشار إلى عنادهم واستعصائهم حينما هدوا إلى الحق ، وإلى ضلالهم ببقائهم في أسر التقليد ، بقوله سبحانه :