محمد جمال الدين القاسمي

266

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولمسلم « 1 » عن النوّاس بن سمعان قال : أقمت مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سنة بالمدينة ، ما يمنعني من الهجرة إلّا المسألة . كان أحدنا ، إذا هاجر ، لم يسأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ومراده : أنه قدم وافدا ، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل ، خشية أن يخرج من صفة الوقد إلى استمرار الإقامة ، فيصير مهاجرا ، فيمتنع عليه السؤال . وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب ، وفودا كانوا أو غيرهم . وأخرج أحمد « 2 » عن أبي أمامة قال : لمّا نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ . . الآية ، كنّا قد أتقينا أن نسأله صلى اللّه عليه وسلم . فأتينا أعرابيّا فرشوناه برداء وقلنا : سل النبيه صلى اللّه عليه وسلم . ولأبي يعلى عن البراء : إن كان ليأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن الشيء فأتهيّب . وإن كنا لنتمنى الأعراب - أي قدومهم - ليسألوا ، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب ، فيستفيدوها . وأمّا ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة ، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية ، ويحتمل أن النهي عن الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه ، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة : كالسؤال عن الذبح بالقصب . والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة . والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن . والأسئلة التي في القرآن : كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك . لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عمّا لم يقع ، أخذوه بطريق الإلحاق ، من جهة أن كثرة السؤال ، لمّا كانت سببا للتكليف بما يشق ، فحقها أن تجتنب . وقد عقد الإمام الدارمي « 3 » في أوائل ( مسنده ) لذلك بابا . وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك ، منها :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : البرّ والصلة والآداب ، حديث 15 وتتمة الحديث : قال : فسألته عن البرّ والإثم ؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك ، وكرهت أن يطّلع عليه الناس » . ( 2 ) من حديث طويل في المسند 5 / 266 . ( 3 ) أخرجه الدارمي في : المقدمة في : 18 - باب كراهية الفتيا .