محمد جمال الدين القاسمي

261

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها . وفيه من حثّهم على الجدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ اعتراض تذييليّ مقرّر لعفوه تعالى ، أي : مبالغ في مغفرة الذنوب . ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 102 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي : سألوا هذه المسألة ، لكن لا عينها ، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال . وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي : بسببها . حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به ، ويفعلوه . وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء ، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا . والمعنى : احذروا مشابهتهم والتعرّض لما تعرّضوا له . تنبيهات : الأول : روى البخاريّ « 1 » في سبب نزولها في ( التفسير ) عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم استهزاء . فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل ، تضلّ ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا . . . حتى فرغ من الآية كلها . و أخرج « 2 » أيضا عن موسى بن أنس عن أنس رضي اللّه عنه قال : خطب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا . . . قال : فغطّى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجوههم ، لهم خنين . فقال رجل : من أبي ؟ قال : فلان ، فنزلت هذه الآية : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . و روى البخاريّ « 3 » أيضا في كتاب ( الفتن ) عن قتادة : أنّ أنسا حدثهم قال : سألوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة . فصعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم المنبر فقال : لا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 5 - سورة المائدة ، 12 - باب قوله تعالى : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، حديث 2001 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 5 - سورة المائدة ، 12 - باب قوله تعالى : لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، حديث 80 . ( 3 ) أخرجه البخاري في : الفتن ، 15 - باب التعوّذ من الفتن ، حديث 80 .