محمد جمال الدين القاسمي

260

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

للنزول . وكأنّ في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله . ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا . ثم قال : وثمة قول ثان في قوله تعالى : وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها . . . إلخ ، وهو أنّه من باب التهديد والتحذير ، أي : ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوؤكم : والمعنى : لا تتعرّضوا للسؤال عمّا يسوءكم بيانه ، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم . انتهى . وقال بعضهم : إنه تعالى ، بيّن أولا أنّ تلك الأشياء - التي سألوا عنها - إن أبديت لهم ساءتهم . ثم بيّن ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم . فكان حاصل الكلام إن سألوا عنا أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم ، إن سألوا عنها ، ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرّهم . قال العلامة أبو السعود : قوله تعالى : إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ صفة ل ( أشياء ) داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها . وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها ، لا بالسؤال عنه ، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا . فقيل : وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم . أي : تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي ، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل . والمراد به : ما يشق عليهم ويغمّهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها ، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها ، ونحو ذلك مما لا خير فيه . فكما أنّ السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها ، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد ، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة ، وتجاوزهم عمّا يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عزّ وجلّ ، من غير بحث فيه ولا تعرّض لكيفيته وكمّيته . أي : لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عمّا لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم - إن أفتاكم بها وكلّفكم إياها حسبما أوحي إليه - لم تطيقوا بها ، ونحو بعض أمور مستورة تكرهون بروزها . عَفَا اللَّهُ عَنْها أي : عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم . أو : عفا الله عن بيانها لئلّا يسوءكم بيانها . فالجملة في موضع جرّ صفة أخرى ل أَشْياءَ . أو المعنى : عفا الله عن مسائلكم السالفة ، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم ، فلا تعودوا إلى مثلها . فالجملة حينئذ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرّد صيانتهم عن المساءة . بل لأنها في