محمد جمال الدين القاسمي
26
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
في الكعبة . يقوم بها سدنة البيت ، فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا . أتى السادن وقال : أخرج لي زلما . فيجيلها ثم يخرج زلما منها . فإذا خرج قدح الأمر ، مضى على ما عزم عليه . أو النهي قعد عما أراده . أو الفارغ أعاد . قال الأزهريّ ( في معنى الآية ) : أي : تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين . فمعنى الاستقسام هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر ، مما لم يقسم له بواسطة ضرب القداح . وذكر محمد بن إسحاق وغيره ؛ أن أعظم أصنام قريش ، صنم كان يقال له هبل . منصوب على بئر داخل الكعبة ، فيها توضع الهدايا ، وأموال الكعبة فيه . وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم . فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه . وفي ( اللباب ) : كانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوب على واحد منها : ( أمرني ربي ) وعلى واحد : ( نهاني ) وعلى واحد ( منكم ) وعلى واحد ( من غيركم ) وعلى واحد : ( ملصق ) وعلي واحد ( العقل ) وعلى واحد غفل . أي ليس عليه شيء . وكانت العرب ، في الجاهلية ، إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا ، أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل ، أو تحمل عقل ، أو غير ذلك من الأمور العظام - جاءوا إلى هبل . وكانت أعظم صنم لقريش بمكة . وجاءوا بمائة درهم . وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم . فإن فرج ( أمرني ربي ) فعلوا ذلك الأمر . وإن خرج ( نهاني ربي ) لم يفعلوه . وإن أجالوا على نسب ، فإن خرج ( منكم ) كان وسطا منهم . وإن خرج ( من غيركم ) كان حلفا فيهم . وإن خرج ( ملصق ) كان على حاله . وإن اختلفوا في العقل . وهو الدين ، فمن خرج عليه قدح العقل تحمّله . وإن خرج غفل أجالوا ثانيا . حتى يخرج المكتوب عليه . فنهاهم اللّه عن ذلك وحرمه وسماه فسقا . كما يأتي : وثبت في الصحيحين « 1 » أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما دخل الكعبة ، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها . وفي أيديهما الأزلام . فقال : « قاتلهم اللّه ، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا » . وفي الصحيح « 2 » أن سراقة بن مالك بن جعشم ، لما خرج في طلب النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر ، وهما ذاهبان إلى المدينة . مهاجرين ، قال : فاستقسمت بالأزلام : هل أضرّهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره : لا تضرهم . قال فعصيت الأزلام واتبعتهم . ثم استقسم بها ثانية
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، 8 - باب قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، عن ابن عباس . حديث 264 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : مناقب الأنصار ، 45 - باب هجرة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ، حديث 1822 .