محمد جمال الدين القاسمي
259
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والطيب قسمان : أحدهما الذي يكون جسمانيّا وهو ظاهر لكل أحد . والثاني الذي يكون روحانيّا . وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية . وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته . وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة . فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة . وأما الأرواح العارفة بالله تعالى ، المواظبة على خدمته ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية ، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة . وكما أنّ الخبيث والطيّب في عامل الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان . بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشدّ لأن مضرة خبث الخبيث الجسمانيّ شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة . وأمّا خيث الخبيث الروحانيّ فمضرّته عظيمة دائمة أبدية . وطيب الطّيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية . وهو القرب من جوار ربّ العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين . فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية . الثاني : قال بعض المفسّرين : من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح . وأنّ الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن ، ميّز المؤمن في المجلس . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 101 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا أي : نبيكم عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ أي : تظهر لَكُمْ تَسُؤْكُمْ لما فيها من المشقة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي : وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة ، فتطلبوا بيانها ، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها . هذا وجه في الآية . وعليه ف ( حين ) ظرف ل ( تسألوا ) . وثمة وجه آخر : وهو جعل ( حين ) ظرفا ل ( تبد ) ، والمعنى : وإن تسألوا عنها . تبد لكم حين ينزل القرآن . قال ابن القيّم : والمراد ب ( حين النزول ) زمنه المتصل به ، لا الوقت المقارن