محمد جمال الدين القاسمي
257
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لطيفة : قال المهايميّ : إنما حرّم الصّيد على المحرم ، لأنه قصد الكعبة التي حرّم صيد حرمها ، فجعل كالواصل إليه . وإنما حرم صيد حرمها لأنها مثال بيت الملك ، لا يتعرض لما فيه أو في حرمه . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 97 ] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي : مدارا لقيام أمر دينهم بالحج إليه ، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبى ثمرات كلّ شيء إليه . قال المهايميّ : جعله اللّه مقام التوجه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم ، ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتألف ، الذي يحتاجون إليه في تمدّنهم ، الذي به كمال معاشهم ومعادهم ، لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما . وَالشَّهْرَ الْحَرامَ بمعنى الأشهر الحرم - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب - قياما لهم بأمنهم من القتال فيها . لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها وَالْهَدْيَ وهو ما يهدى إلى مكة وَالْقَلائِدَ جمع قلادة . وهي ما يجعل في عنق البدنة التي تهدى وغيره . والمراد ب ( القلائد ) ذوات القلائد وهي البدن . خصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر ، وبهاء الحج بها أظهر . والمفعول الثاني محذوف ، ثقة بما مرّ ، أي : جعل الهدي والقلائد أيضا قياما لهم . فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم . وفيه قوام لمعيشة الفقراء ثمّت . وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوها أو قلّدوا أنفسهم ، عند الإحرام ، من لحاء شجر الحرم . فلا يتعرض لهم أحد ذلِكَ أي : الجعل المذكور لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإنّ جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها ، دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن . وقد جوّد الرازيّ تقرير هذا المقام فأبدع ، فلينظر . وقوله تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم إثر تخصيص للتأكيد .