محمد جمال الدين القاسمي

251

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 94 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ أي : يرسله إليكم وأنتم محرمون تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ لتأخذوه ، وهو الضعيف من الصيد وصغيره وَرِماحُكُمْ لتطعنوه ، وهو كبار الصيد لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فيمتنع عن الاصطياد لقوة إيمانه . قال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية . فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم اللّه عن قتله وهم محرمون . قال ابن كثير : يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم ، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرّا وجهرا ، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ الملك : 12 ] . وقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى أي : بالصيد بَعْدَ ذلِكَ يعني بعد الإعلام والإنذار فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ لمخالفته أمر اللّه وشرعه . لطيفة : قال الزمخشريّ : فإن قلت : ما معنى التقليل والتصغير في قوله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ؟ قلت : قلل وصغّر أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابيتن - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال - وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك ، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده ، فكيف شأنهم عندما هو أشدّ منه . . ؟ قال الناصر في ( الانتصاف ) : قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة في قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 155 ] . فلا خفاء في عظم هذه البلايا والمحن التي يستحق الصابر عليها أن يبشر ، لأنه صبر عظيم . فقول الزمخشريّ : إنه قلل وصغّر تنبيها على أن هذه الفتنة ليست من الفتن العظام - مدفوع باستعمالها مع الفتن المتفق على عظمها . والظاهر - واللّه أعلم - أنّ المراد بما أشعر به اللفظ من التقليل