محمد جمال الدين القاسمي
250
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قبيلتين من قبائل الأنصار . شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض . فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول : صنع بي هذا أخي فلان . وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، فيقول : واللّه ! لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا . حتى وقعت الضغائن في قلوبهم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . إِنَّمَا الْخَمْرُ . . . - إلى قوله - فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ . فقال ناس من المتكلفين : هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد . فأنزل اللّه تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ . . . الآية . ورواه النسائيّ في ( التفسير ) . وأخرج أبو بكر البزار عن جابر رضي اللّه عنه قال : أصطبح ناس الخمر من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثم قتلوا شهداء يوم أحد ، فقالت اليهود : فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم ، فنزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ . . الآية . قال البزار . إسناده صحيح . قال ابن كثير : هو كما قال . وقد ساق ابن كثير - هنا - أحاديث كثيرة في تحريم الخمر مما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، فمن شاء فليرجع إليه . ولا يخفى أن تحريمها معلوم من الدين بالضرورة . وقد روى السيوطيّ في ( الجامع الكبير ) عن ابن عساكر بسنده إلى سيف بن عمر عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا : كتب أبو عبيدة إلى عمر رضي اللّه عنهما : إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب . منهم ضرار وأبو جندل . فسألناهم فتأولوا وقالوا : خيرنا فاخترنا . قال : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ ولم يعزم . فكتب إليه عمر : فذلك بيننا وبينهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يعني : فانتهوا . وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة ويضمنوا النفس ، ومن تأول عليها بمثل هذا ، فإن أبى قتل . وقالوا : من تأول على ما فرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منه ، يزجر بالفعل والقتل . فكتب عمر إلى أبي عبيدة : أن ادعهم . فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم . وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين . فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الأشهاد فقالوا : حرام . فجلدهم ثمانين . وحدّ القوم ، وندموا على لجاجتهم ، وقال : ليحدثن فيكم - يا أهل الشام ! - حادث ، فحدث الرمادة . ورواه سيف بن عمر أيضا عن الشعبيّ والحكم بن عيينة .