محمد جمال الدين القاسمي

247

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

- وقد علمت أن ذلك أمر مباح - ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنا محسنا ، تريد : إن زيدا تقيّ مؤمن محسن ، وإنه غير مؤاخذ بما فعل . وقال العلامة أبو السعود : ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة ، لا دخل لها في انتفاء الجناح . وإنما ذكرت في حيز ( إذا ) شهادة باتصاف الذين سئل عن حالهم بها ، ومدحا لهم بذلك ، وحمدا لأحوالهم . وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها وبين ما له دخل في الحكم ، فإنّ مساق النظم الكريم بطريق العبارة - وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة ( إذا ما ) - لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكليّ على الوجه البرهانيّ بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها ، فكأنه قيل : ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى . مع ما لهم من الصفات الحميدة - بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال - وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك . ولو حرّما في عصرهم ، لاتقوهما بالمرة . وقال الطيبيّ : المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات . وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال . وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك ، وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به ، وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج ( أن تعبد اللّه كأنّك تراه ) وهو المعنيّ بقوله تعالى : وَأَحْسَنُوا . . . إلخ . وبه ينتهى للزلفى عند اللّه ومحبته . واللّه يحب المحسنين . قال الخفاجيّ : وهذا دفع للتكرير وأنه ليس لمجرد التأكيد ، لأنه يجوز فيه العطف ب ( ثم ) كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 - 4 ] . بل به باعتبار تغاير ما علق به مرة بعد أخرى . واللّه أعلم . الثانية : الإحسان المذكور في الآية : إمّا إحسان العمل ، أو الإحسان إلى الخلق ، أو إحسان المشاهدة المتقدم ، ولا مانع من الحمل على الجميع .