محمد جمال الدين القاسمي

243

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يمنع عقد اليمين . والكفارة تحلّها بعد عقدها . ولهذا سمّاها اللّه تَحِلَّةَ . وحلف صلى اللّه عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا . وأمره اللّه سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع : فقال تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ ، قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [ يونس : 53 ] وقال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [ سبأ : 3 ] وقال تعالى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ، وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [ التغابن : 7 ] . وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهريّ ولا يسميه بالفقيه . فتحاكم إليه يوما هو وخصم له . فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود . فتهيّأ للحلف . فقال له القاضي إسماعيل : وتحلف ، ومثلك يحلف يا أبا بكر ؟ فقال : وما يمنعني عن الحلف ؟ وقد أمر اللّه تعالى نبيّه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه . قال : أين ذلك ؟ فسردها أبو بكر ، فاستحسن ذلك منه جدّا ، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم . . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 90 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ أي : الشراب الذي خامر العقل ، أي خالطه فستره وَالْمَيْسِرُ أي : القمار وَالْأَنْصابُ أي : الأصنام المنصوبة للعبادة وَالْأَزْلامُ أي : القداح رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي : خبيث من تزيين الشيطان ، وقذر تعاف عنه القول . قال المهايميّ : لأن الخمر تضيع العقل ، وما دون السكر داع إلى ما يستكمله ، فأقيم مقامه في الشرع الكامل . والميسر يضيع المال . والأنصاب تضيع عزة الإنسان بتذلّله لما هو أدنى منه . والأزلام تضيع العلم للجهل بالثمن والمثمن . انتهى . وما ذكره هو شذرة من مفاسدها فَاجْتَنِبُوهُ أي : اتركوه ، يعني : ما ذكر . أو ( الرجس ) الواقع على الكل لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي : رجاء أن تنالوا الفلاح فتنجوا من السخط والعذاب وتأمنوا في الآخرة . ثم أكد تعالى تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية . فالأولى في قوله :