محمد جمال الدين القاسمي

235

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سألوا أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن عمله في السرّ ؟ فقال بعضهم : لا آكل اللحم . وقال بعضهم : لا أتزوج النساء . وقال بعضهم : لا أنام على فراش . فبلغ ذلك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا ؟ لكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم ، وآكل اللحم . وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنّتي فليس منّي . وروى ابن أبي حاتم ، أن عبد اللّه بن مسعود جاءه معقل بن مقرن فقال : إني حرمت فراشي . فتلا عليه هذه الآية . وأخرج أيضا عن مسروق قال : كنا عند عبد اللّه بن مسعود . فجيء بضرع فتنحّى رجل . فقال عبد اللّه : ادن . فقال : إني حرمت أن آكله . فقال عبد اللّه : ادن فاطعم وكفّر عن يمينك . وتلا هذه الآية . ورواه الحاكم أيضا . الثاني : قال بعض الزيدية : ثمرة الآية النهي عن تحريم الطيبات من الحلال . وذكر الحاكم : أن هذا النهي يحتمل وجوها لا مانع من الحمل على جميعها : أحدهما لا تعتقدوا التحريم . ومنها : لا تحرّموا على غيركم بالفتوى والحكم . ومنها : لا تجروه مجرى الحرمات في شدة الاجتناب . ومنها : لا تلتزموا تحريمه بنذر أو غيره . وقال القاضي : لا تحرموا الحلال بفعل يصدر منكم . ، كالبياعات الربوية وخلط الحلال بالمغصوب والطاهر بالنجس . ثم قال : ويتعلق بهذا أمرين : الأول إذا حرم الحلال ، هل يجب عليه الحنث والرجوع ؟ قلنا : ظاهر الآية يدل على ذلك ، ويلزم مع ذلك التوبة . الأمر الثاني : هل يلزمه في ذلك كفارة ؟ قلنا : هذه الآية قد يستدل بها على اللزوم ، لأن النهي يقتضي فساد المنهيّ عنه . وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء . انتهى . وقال ابن كثير : ذهب الشافعيّ إلى أنه من حرّم مأكلا أو ملبسا أو شيئا ، ما عدا النساء ، أنّه لا يحرم عليه ، ولا كفارة عليه أيضا . لإطلاق هذه الآية . ولأن الذي حرم اللحم على نفسه - كما في الحديث المتقدم - لم يأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم بكفارة . وذهب آخرون - منهم الإمام أحمد - إلى أنّ من حرم شيئا - مما ذكر - فإنه يجب عليه كفارة يمين ، كما إذا التزم تركه باليمين . فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه ، كما أفتى بذلك ابن عباس ، وكما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ