محمد جمال الدين القاسمي

216

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الخلق من أجل إصلاح قلبه . ولا يحب اطّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله . ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من حاله . لأن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم . وليس هذا من أخلاق الصدّيقين . و ( صدق الأحوال ) اجتماع الهم على الحق ، بحيث لا يختلج في القلب تفرقة عن الحق بوجه . وقوله تعالى : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء . وفيه تبعيد عما نسب إليهما . قال الزمخشريّ : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام ، وما يتبعه من الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة ، مع شهوة وقرم وغير ذلك . . . مما يدل على أنه مصنوع مؤلّف مدبّر كغيره من الأجسام . لطيفة : إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى ، حاجتهما للطعام عما قبله من مساواتهما للرسل عليهم السلام ، ترقيا في باب الاستدلال من الجليّ للأجلى ، على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم ، حتى إذا لم يسلّم في الجليّ لغموضه عليه ، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته . فيضطر للتسليم ، إن لم يكن معاندا ولا مكابرا . هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير . وأما قول الخفاجيّ - ملخصا كلام البيضاويّ - في سر ذلك : أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما ، وأنه لا يقتضي الألوهية ، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما ، على حد قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ . حيث قدم العفو على المعاتبة له صلى اللّه عليه وسلم انتهى - فبعيد . وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين . فالأظهر ما ذكرناه ، واللّه أعلم بأسرار كتابه . انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي : على توحيد اللّه ، وبطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه ، وبطلان شبهاتهم ! ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي : كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان . ! قال أبو السعود : وتكرير الأمر بالنظر ، للمبالغة في التعجيب من حال الذين